السيد الطباطبائي
35
تفسير الميزان
على أن مراده باستثناء المشية إثبات بقاء إطلاق قدرته وأنه مالك الامر لا يخرج زمامه من يده قط . ويجري في هذه الآية جميع ما تقدم من الأبحاث المشابهة في الآية السابقة إلا ما كان من الوجوه مبنيا على كون المستثنى في قوله : " إلا ما شاء ربك " من دخل النار أولا ثم خرج منها إلى الجنة ثانيا ، وذلك أن من الجائز أن يخرج من نار الآخرة بعض من دخله لكن لا يخرج من جنة الآخرة وهي جنة الخلد أحد ممن دخلها جزاء أبدا ، وهو كالضروري من الكتاب والسنة ، وقد تكاثرت الآيات والروايات في ذلك بحيث لا يرتاب في دلالتها على ذلك ذو ريب ، وإن كانت دلالة الكتاب على خروج بعض من في النار منها ليس بذاك الوضوح . قال في مجمع البيان في وجوب دخول أهل الطاعة الجنة وعدم جواز خروجهم منها : لاجماع الأمة على أن من استحق الثواب فلا بد أن يدخل الجنة ، وأنه لا يخرج منها بعد دخوله فيها . انتهى . مسألة " وجوب دخول أهل الثواب الجنة " مبنية على قاعدة عقلية مسلمة وهي أن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد لان الذي تعلق به الوعد حق للموعود له ، وعدم الوفاء به إضاعة لحق الغير وهو من الظلم ، وأما الوعيد فهو جعل حق للموعد على التخلف الذي يوعد به له ، وليس من الواجب لصاحب الحق إن يستوفي حقه بل له أن يستوفي وله أن يترك ، والله سبحانه وعد عباده المطيعين الجنة بإطاعتهم ، وأوعد العاصين النار بعصيانهم فمن الواجب أن يدخل أهل الطاعة الجنة توفية للحق الذي جعله لهم على نفسه ، وأما عقاب العاصين فهو حق جعله لنفسه عليهم فله أن يعاقبهم فيستوفي حقه وله أن يتركهم بترك حق نفسه . وأما مسألة عدم الخروج من الجنة بعد دخولها فهو مما تكاثرت عليه الآيات والروايات ، والاجماع الذي ذكره مبني على الذي تسلموه من دلالة الكتاب والسنة أو العقل على ذلك ، وليس بحجة مستقلة .